سياسة "تعوير الجيوب" ليست هي الحل!
- ركبت المترو أمس في سابقة نادرة !
- باتت عندي فوبيا من ركوب "العربية"، بعد سلسلة الارتفاعات الجهنمية في قيمة الغرامات والمخالفات المرورية، التي تعاقب الغالبية العظمي ممن يعتبرون بالأساس ملتزمين إلى درجة كبيرة بآداب الطريق وقواعده، (عدا اخطاء ربما غير مقصودة في السير بسرعة في مناطق تحدد السير فيها ب ٦٠ كلم فقط .. أو السير خطأ عكس الاتجاه دون ان يكون هناك تحديد أو تحذير من أن هذا الشارع اتجاه واحد.. وفضلًا عن ذلك ممارسات "الشوارعية" ممن يقودون عربات الموت وموتورات القتل المتنقلة (موتوسيكل - توكتوك - ميكرو زفت)!
رفعت الدولة قيمة الغرامات والمخالفات بشكل فوق الطاقة والقدرة، وتكتفي - بكل أسف - بمتابعة كاميرات الرادار لاحتساب قيمتها وتحصيلها فقط ، دون أن تكلف نفسها عناء وجودها في الشارع!
عندما مررت تذكرة دخولي في الماكينة، فوجئت بإمرأة بسيطة - أتعاطف معها بشدة - تمرر تذكرتها ثم وبعد ان تلقتها دفعت بها - عادي جدًا - إلى ابنتها لتدخل بها هي الأخرى! المفاجأة الأولى كانت في هذا التحايل والخداع ، لكن الأكثر إدهاشًا لى كان قبول عنصر أمن المترو الذي شاهد كل شيء مثلي ولم يحرك ساكنًا!
تذكرت مع صديقي الدكتور محمود عطية أمس ايضاً مايقوله دائمًا صديق لي وهو كاتب وصحفي أيضًا: "الشعب فسد كله "! عطية يقول بتعبيره: الفساد ضرب في نخاع الشعب.. ويروي واقعة عن صديق ثالث قال له: ذهبت استخرج شهادة ميلاد لابني.. قال لي الموظف بإصرار.. مستحيل! الوقت انتهي والخزنة قفلت والورق محتاج تدقيق! كان درج مكتب الموظف مفتوحا.. بسرعة رميت فيه خمسين جنيها.. فأغلق الدرج بسرعة وهو يقول مكررا: "مش النظرية.. مش النظرية" وهو يحكم الإغلاق على الجريمة! وطبقا له فإنه "بعد دقيقة واحدة كنت أوقع الشهادة من المدير"!
عجايب!
يشغلني دائما أن الدولة تفرض رسومًا باهظة على الناس، نظير خدمات لا تؤديها؟ وهذا الرجل في أمن المترو المؤتمن على مال عام لم يحرك ساكنا إزاء مافعلته الأم وابنتها، وإن كنا لانعرف كيف تتخطيان المكائن التي ستسمح لهما بالخروج ؟! ماهي الحيلة لانعرف.. فإذا لم تمتلكا حيلة فإن الخدعة الرئيسية هنا لن تكون لها قيمة!
لماذا سمح عنصر الأمن بماحدث؟ ربما اعتبرها أمرًا بسيطًا، وربما تعاطف معها مثلي.. لكن ماذا عن الشارع وما يجري فيه؟ ماذا عن عناصر الأمن الحقيقيين المنوط بهم ضبط حركة المرور فيه!..
وما أدراك ما الشارع!
الصحفي والمهندس والطبيب.. المثقف والعامل.. النساء والفتيات.. حتى لو تحلى كل هؤلاء بصبر أيوب فلن يكون صبرهم مجديًا!
يعرفون قبل أن يخرجوا من بيوتهم، ويديروا سياراتهم أنهم سيواجهون معركة لاتنتهي مع كل ما فيه ومن فيه!
معركة مع هذا المتلوي كالثعبان الذي لاتعرف من أين ستأتيك ضربته.. أهي من اليمين أم من اليسار؟!
.. مع موتوسيكل وتوكتوك.. مع ميكروباص يعتبر أنه يسير في الطريق وحده، وأنه فعلًا "عفريت أسفلت" في صورة سيارة.. وأن الجميع مسؤولون عن إفساح الطريق لمروره أو "تستلقوا وعدكم"! وهذا الوعد قد يكون إصابة مباشرة في أي جانب من المركبة، أو "التحجيز" عليك وإيقافك عنوة، فتتلقى الوعد "ناشف".. وربما تأخذه مضاعفًا.. مابين التهديد بأقذع الشتائم.. وربما الضرب بالمفك أو بالسنجة أو بالشومة.. نادرًا ما تجد سائقًا يتعامل معك معاملة آدمية.. خطابهم منذ البداية ظاهر من عنوانه.. حيث يمارسون ألعابهم البهلوانية لأسبقية الحصول على ركاب، لايعبأون بالاصطدام بك أو تصادم عديد من المركبات ببعضها البعض، وإن خُدِشت سيارته هو يبقى عليه العوض فيك أو من يراه هو مسئولًا عن ذلك!
بلا مبالغة هي معارك يومية بلا نهاية، سواء مع سائقي التريلا أو الميكروباص أو التوكتوك أو الموتوسيكل.. وهذا الأخير أصيب مستخدموه بالجنون، نسوا أنهم يقودون دراجات كهربائية وراحوا يسمون أنفسهم "الطيارين"! تخيلوا طيارين في شوارعنا المكتظة بالناس ليلًا أو نهارًا، بعدما انقلبت حياة المصريين، النهار ليل والعكس صحيح! طيارون يحملون ديليفري إلى كل الناس! يخيل إلىَّ أن الكثيرين لم يعودوا يأكلون في البيوت.. الـديليفري سمة المرحلة، لاتعرف من أين لهم بكل هذه الأموال التي يدفعونها ثمنا لهذا الطلبات! أمر غريب جدًا، خاصة وأن من بين مالكي السيارات من لم يعد يستطيع أن يأكل من المطاعم!
ما يجري في الشارع هو نوع من إهدار الكرامة الإنسانية. بعض قادة المركبات بدأوا يفكرون مرات عديدة قبل قيادة سياراتهم، بدأوا يكرهون القيادة بسبب التعامل شديد السوء مع الجميع.. العابرون في الطريق.. الركاب.. المركبات.. السيارات المجاورة لهم في الطريق! أنت على موعد مع إهدار مرتقب للكرامة الإنسانية إذا فكرت بتقديم ملاحظة لسائق آخر حتى لو كان قائد ملاكي مثلك! هو يعرف خطأه، لكنه قد يقطع عليك الطريق ويتذاكى، ويقرر أن يخترع ملاحظة لك ليقهرك ويمنعك عن تقديم ملاحظتك عليه.. يتقى بأسبقية القول أي نقد توجهه له! يعتبر أنه ملك الطريق ومالكه! عجيب غريب.. "شوماخر" نفسه لايمكن أن يعتبر الطريق له وحده، لكن هذا الأوبشن متاح فقط للسائقين في مصر.
المشكلة الحقيقية هي أن قادة السيارات يعرفون أنهم وحدهم في هذه المواجهة، فلا أمن ولا شرطة ولا كونستابل حتى!
هنا يثور السؤال: لماذا تحصل الدولة مبالغ خرافية وغرامات فادحة بحجة ضبط المرور في الشارع، بينما هي غائبة عن الشارع تماما؟ ترصد المخالفات إلكترونياً وتحصلها وهي تضع رجلا على رجل وتشرب شيشة وقهوة.. والفوضى في الشارع تضرب تقلب كما يقولون !! (للحديث بقية).
————————-
بقلم: محمود الشربيني







